الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 1130
الحديث رقم 1130 من كتاب «أبواب التهجد» في صحيح البخاري، تحت باب: باب قيام النبي ﷺ الليل حتى ترم قدماه.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١١٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ ﵁ يَقُولُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الزِّيَادَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ التَّضْعِيفَ لَا يَنْقُصُ عَنِ الْعَشْرِ، وَدَفَعَ بَعْضُهُمْ فِي أَصْلِ السُّؤَالِ بِأَنَّ الزَّمَانَ كَانَ قَابِلًا لِلنَّسْخِ، فَلَا مَانِعَ مِنْ خَشْيَةِ الِافْتِرَاضِ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ خَبَرٌ، وَالنَّسْخُ لَا يَدْخُلُهُ عَلَى الرَّاجِحِ، وَلَيْسَ هُوَ كَقَوْلِهِ مَثَلًا لَهُمْ: صُومُوا الدَّهْرَ أَبَدًا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ النَّسْخُ.
وَقَدْ فَتَحَ الْبَارِي بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ أُخْرَى: أَحَدِهَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَخُوِّفُ افْتِرَاضَ قِيَامِ اللَّيْلِ، بِمَعْنَى جَعْلِ التَّهَجُّدِ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً شَرْطًا فِي صِحَّةِ التَّنَفُّلِ بِاللَّيْلِ، وَيُومِئُ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ، فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ. فَمَنَعَهُمْ مِنَ التَّجْمِيعِ فِي الْمَسْجِدِ إِشْفَاقًا عَلَيْهِمْ مِنَ اشْتِرَاطِهِ، وَأُمِنَ مَعَ إِذْنِهِ فِي الْمُوَاظَبَةِ عَلَى ذَلِكَ فِي بُيُوتِهِمْ مِنَ افْتِرَاضِهِ عَلَيْهِمْ. ثَانِيهَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَخُوِّفُ افْتِرَاضَ قِيَامِ اللَّيْلِ عَلَى الْكِفَايَةِ لَا عَلَى الْأَعْيَانِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ زَائِدًا عَلَى الْخَمْسِ؛ بَلْ هُوَ نَظِيرُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ قَوْمٌ فِي الْعِيدِ وَنَحْوِهَا. ثَالِثُهَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَخُوِّفُ افْتِرَاضَ قِيَامِ رَمَضَانَ خَاصَّةً، فَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي رَمَضَانَ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ: خَشِيتُ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْكُمْ قِيَامُ هَذَا الشَّهْرِ، فَعَلَى هَذَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ؛ لِأَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ لَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ يَوْمٍ فِي السَّنَةِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى الْخَمْسِ. وَأَقْوَى هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ الثَّلَاثَةِ - فِي نَظَرِي - الْأَوَّلُ، وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ - غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ - نَدْبُ قِيَامِ اللَّيْلِ وَلَاسِيَّمَا فِي رَمَضَانَ جَمَاعَةً؛ لِأَنَّ الْخَشْيَةَ الْمَذْكُورَةَ أُمِنَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلِذَلِكَ جَمَعَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الصِّيَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِيهِ جَوَازُ الْفِرَارِ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ، قَالَهُ الْمُهَلَّبُ، وَفِيهِ أَنَّ الْكَبِيرَ إِذَا فَعَلَ شَيْئًا خِلَافَ مَا اعْتَادَهُ أَتْبَاعُهُ أَنْ يَذْكُرَ لَهُمْ عُذْرَهُ وَحُكْمَهُ وَالْحِكْمَةَ فِيهِ، وَفِيهِ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ مِنَ الزَّهَادَةِ فِي الدُّنْيَا، وَالِاكْتِفَاءِ بِمَا قَلَّ مِنْهَا وَالشَّفَقَةِ عَلَى أُمَّتِهِ وَالرَّأْفَةِ بِهِمْ، وَفِيهِ تَرْكُ بَعْضِ الْمَصَالِحِ لِخَوْفِ الْمَفْسَدَةِ، وَتَقْدِيمِ أَهَمِّ الْمَصْلَحَتَيْنِ، وَفِيهِ جَوَازُ الِاقْتِدَاءِ بِمَنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ نَظَرٌ (١) لِأَنَّ نَفْيَ النِّيَّةِ لَمْ يُنْقَلْ، وَلَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ بِالظَّنِّ، وَفِيهِ تَرْكُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِلنَّوَافِلِ إِذَا صُلِّيَتْ جَمَاعَةً.
٦ - بَاب قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّيْلَ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ يَقُومُ حَتَّى تَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، وَالْفُطُورُ: الشُّقُوقُ، ﴿انْفَطَرَتْ﴾: انْشَقَّتْ.
١١٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ ﵁ يَقُولُ: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَيَقُومُ - أو لِيُصَلِّيَ: حَتَّى تَرِمُ قَدَمَاهُ - أَوْ سَاقَاهُ - فَيُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟.
[الحديث ١١٣٠ - طرفاه في: ٤٨٣٦، ٦٤٧١]
قَوْلُهُ: (بَابُ قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّيْلَ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْهُ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ. وَلِلْبَاقِينَ: قِيَامُ اللَّيْلِ لِلنَّبِيِّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ يَقُومُ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِغَيْرِهِ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى تَفَطَّرَ) بِتَاءٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ: تَتْفَطَّرُ بِمُثَنَّاتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَالْفُطُورُ الشُّقُوقُ) كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ.
قَوْلُهُ: (انْفَطَرَتْ: انْشَقَّتْ) هَذَا التَّفْسِيرُ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مَوْصُولًا، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ:
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَغَيْرِهِمَا ذَلِكَ، وَكَذَا حَكَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الشَّامِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَتْحِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ زِيَادٍ) هُوَ ابْنُ عِلَاقَةَ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الرِّقَاقِ، عَنْ خَلَّادِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ مِسْعَرٍ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ.
(تَنْبِيهٌ): هَكَذَا رَوَاهُ الْحُفَّاظُ مِنْ أَصْحَابِ مِسْعَرٍ عَنْهُ، وَخَالَفَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ وَحْدَهُ، فَرَوَاهُ عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَقَالَ: الصَّوَابُ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ زِيَادٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي قَتَادَةَ الْحَرَّانِيِّ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، وَأَخْطَأَ فِيهِ أَيْضًا، وَالصَّوَابُ مِسْعَرٌ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ.
قَوْلُهُ: (إِنْ كَانَ لَيَقُومُ أَوْ لَيُصَلِّي) إِنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَلَيَقُومُ بِفَتْحِ اللَّامِ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: لَيَقُومُ يُصَلِّي، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى تَرِمُ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ، وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ مِنَ الْوَرَمِ، هَكَذَا سُمِعَ، وَهُوَ نَادِرٌ، وَفِي رِوَايَةِ خَلَّادِ بْنِ يَحْيَى: حَتَّى تَرِمَ أَوْ تَنْتَفِخَ قَدَمَاهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ زِيَادٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: حَتَّى انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ.
قَوْلُهُ: (قَدَمَاهُ أَوْ سَاقَاهُ)، وَفِي رِوَايَةِ خَلَّادٍ: قَدَمَاهُ وَلَمْ يَشُكَّ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي تَفْسِيرِ الْفَتْحِ: حَتَّى تَوَرَّمَتْ، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: حَتَّى تَزْلَعَ قَدَمَاهُ بِزَايٍ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ، وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ، فَإِنَّهُ إِذَا حَصَلَ الِانْتِفَاخُ أَوِ الْوَرَمُ حَصَلَ الزَّلَعُ وَالتَّشَقُّقُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَيُقَالُ لَهُ) لَمْ يَذْكُرِ الْمَقُولَ، وَلَمْ يُسَمِّ الْقَائِلَ، وَفِي تَفْسِيرِ الْفَتْحِ: فَقِيلَ لَهُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ: فَقِيلَ لَهُ: أَتَتَكَلَّفُ هَذَا. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ؟. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْبَزَّارِ: فَقِيلَ لَهُ: تَفْعَلُ هَذَا، وَقَدْ جَاءَكَ مِنَ اللَّهِ أَنْ قَدْ غَفَرَ لَكَ؟
قَوْلُهُ: (أَفَلَا أَكُونُ) فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ (عَبْدًا شَكُورًا)، وَزَادَتْ فِيهِ: فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمُهُ صَلَّى جَالِسًا، الْحَدِيثَ. وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: أَفَلَا أَكُونُ؛ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَهِيَ عَنْ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أَأَتْرُكُ تَهَجُّدِي، فَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَغْفِرَةَ سَبَبٌ لِكَوْنِ التَّهَجُّدِ شُكْرًا، فَكَيْفَ أَتْرُكُهُ؟ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَخْذُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ بِالشِّدَّةِ فِي الْعِبَادَةِ، وَإِنْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِبَدَنِهِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ بِمَا سَبَقَ لَهُ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ، فَضْلًا عَمَّنْ لَمْ يَأْمَنْ أَنَّهُ اسْتَحَقَّ النَّارَ. انْتَهَى. وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا إِذَا لَمْ يُفْضِ إِلَى الْمَلَالِ؛ لِأَنَّ حَالَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ أَكْمَلَ الْأَحْوَالِ، فَكَانَ لَا يَمَلُّ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَإِنْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِبَدَنِهِ، بَلْ صَحَّ أَنَّهُ قَالَ: وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ، كَمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، فَأَمَّا غَيْرُهُ ﷺ فَإِذَا خَشِيَ الْمَلَلَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكْرِهَ نَفْسَهُ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ ﷺ: خُذُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا.
وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الصَّلَاةِ لِلشُّكْرِ، وَفِيهِ أَنَّ الشُّكْرَ يَكُونُ بِالْعَمَلِ، كَمَا يَكُونُ بِاللِّسَانِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ظَنَّ مَنْ سَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ تَحَمُّلِهِ الْمَشَقَّةَ فِي الْعِبَادَةِ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْبُدُ اللَّهَ خَوْفًا مِنَ الذُّنُوبِ، وَطَلَبًا لِلْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، فَمَنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ غُفِرَ لَهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَفَادَهُمْ أَنَّ هُنَاكَ طَرِيقًا آخَرَ لِلْعِبَادَةِ، وَهُوَ الشُّكْرُ عَلَى الْمَغْفِرَةِ وَإِيصَالُ النِّعْمَةِ لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ فِيهَا شَيْئًا، فَيَتَعَيَّنُ كَثْرَةُ الشُّكْرِ عَلَى ذَلِكَ، وَالشُّكْرُ: الِاعْتِرَافُ بِالنِّعْمَةِ، وَالْقِيَامُ بِالْخِدْمَةِ، فَمَنْ كَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ سُمِّيَ شَكُورًا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ﷾: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. وَفِيهِ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ وَالْخَشْيَةِ مِنْ رَبِّهِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّمَا أَلْزَمَ الْأَنْبِيَاءُ أَنْفُسَهُمْ بِشِدَّةِ الْخَوْفِ لِعِلْمِهِمْ بِعَظِيمِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ ابْتَدَأَهُمْ بِهَا قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهَا، فَبَذَلُوا مَجْهُودَهُمْ فِي عِبَادَتِهِ لِيُؤَدُّوا بَعْضَ شُكْرِهِ، مَعَ أَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَقُومَ بِهَا الْعِبَادُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٦) (باب قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ) زاد الحَمُّويي في نسخةٍ والمُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليُّ: «اللَّيل»، وسقط عند أبي الوقت وابن عساكر (حتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وكسر الرَّاء؛ من الورم، وسقط ذلك -أي: «حتَّى ترم قدماه» - عند (١) أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ في نسخةٍ والحَمُّويي والمُستملي: «باب قيام اللَّيل للنَّبيِّ ﷺ» (وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂) ممَّا وصله في «سورة الفتح» من «التَّفسير» [خ¦٤٨٣٧]: (حَتَّى) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «كان يقوم»، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قام حتَّى» (تَفَطَّرَ قَدَمَاهُ) بحذف إحدى التَّاءين وتشديد الطَّاء وفتح الرَّاء، بصيغة الماضي (٢)، وللأَصيليِّ: «قام رسول الله ﷺ حتَّى تتفطَّرَ قدماه» بمثنَّاتين فوقيَّتين على الأصل وفتح (٣) الرَّاء (وَالفُطُورُ: الشُّقُوقُ) كما فسَّره به أبو عبيدة في «المجاز» (﴿انفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]: انْشَقَّتْ) كذا فسَّره الضَّحَّاك فيما رواه ابن أبي حاتمٍ عنه موصولًا.
١١٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكَين (قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وسكون السِّين المهملة، ابن كِدَام العامريُّ الهلاليُّ (عَنْ زِيَادٍ) بكسر الزَّاي وتخفيف الياء، ابن عِلَاقَةَ الثَّعلبيِّ (قَالَ: سَمِعْتُ المُغِيرَةَ) بن شُعبة (﵁ يَقُولُ: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَيَقُومُ لِيُصَلِّيَ) بكسر همزة «إن» وتخفيف النُّون، وحذف ضمير الشَّأن، تقديره: إنَّه كان؛ وبفتح لام «لَيقوم» للتَّأكيد، وكسر لام «لِيصَلِّي»، ولكريمةَ: «لَيقوم يصلِّي» بحذف لام «يصلِّي»، وللأربعة: «أو لَيصلِّي» مع فتح اللَّام على الشَّكِّ (حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ) بكسر الرَّاء وتخفيف الميم،
منصوبة بلفظ المضارع، ويجوز رفعها (أَوْ سَاقَاهُ) شكٌّ من الرَّاوي، وفي رواية خلَّاد بن يحيى [خ¦٦٤٧١]: «حتَّى ترمَ، أو تنتفخ قدماه (١)» (فَيُقَالُ لَهُ) ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وفي حديث عائشة [خ¦٤٨٣٧]: «لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك؟» (فَيَقُولُ: أَفَلَا) الفاء مُسبِّبٌ عن محذوف، أي: أأترك قيامي وتهجُّدي لِما غُفر لي فلا (أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟!) يعني: غفران الله لي (٢) سببٌ لأن أقومَ أتهجَّدُ شكرًا له (٣)، فكيف أتركه؟! كأنَّ المعنى: ألا أشكره وقد أنعم عليَّ وخصَّني بخير الدَّارين؟! فإنَّ الشَّكور من أبنية المبالغة يستدعي نعمةً خطيرةً، وتخصيص العبد بالذِّكر مشعرٌ بغاية الإكرام والقرب من الله تعالى، ومن ثمَّ وصفه به في مقام الإسراء، ولأنَّ العبودية تقتضي صحَّة النِّسبة، وليست إلَّا بالعبادة، والعبادة عين الشُّكر.
وفيه أخذ الإنسان على نفسه بالشِّدة في العبادة وإن أضرَّ ذلك ببدنه، لكن ينبغي تقييد ذلك بما إذا لم يفض إلى المَلال؛ لأنَّ حالة النَّبيِّ ﷺ كانت أكملَ الأحوال، فكان لا يملُّ من العبادة وإن أضرَّ ذلك ببدنه، بل صحَّ أنَّه قال: «وجُعِلَت قرَّة عيني في الصَّلاة» رواه النَّسائيُّ، فأمَّا غيره ﵊؛ فإذا خشي الملل ينبغي له (٤) ألَّا يكدَّ نفسه حتَّى يملَّ، نعم؛ الأخذ بالشدَّة أفضل؛ لأنَّه إذا كان هذا فِعل المغفورِ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر؛ فكيف بمن جُهِل حاله وأثقلت ظهره الأوزار، ولا يأمن عذاب النَّار؟
ورواة هذا الحديث كوفيُّون، وهو من الرُّباعيَّات، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والسَّماع، والقول، وأخرجه أيضًا في «الرَّقاق» [خ¦٦٤٧١] و «التَّفسير» [خ¦٤٨٣٦]، ومسلمٌ في أواخر الكتاب، والتِّرمذيُّ في «الصَّلاة»، وكذا النَّسائيُّ وابن ماجه.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
هُرَيْرَة حَتَّى تزلع وَلَا اخْتِلَاف فِي الْحَقِيقَة فِي هَذِه الرِّوَايَة لِأَن كلهَا ترجع إِلَى معنى وَاحِد وروى الْبَزَّار من حَدِيث مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن سفينة عَن أَبِيه عَن جده " أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تعبد قبل أَن يَمُوت وَاعْتَزل النِّسَاء حَتَّى صَار كَأَنَّهُ شن " وَفِي سَنَده مُحَمَّد بن الْحجَّاج قَالَ ابْن معِين لَيْسَ بِثِقَة قَوْله " أَو ساقاه " شكّ من الرَّاوِي وَفِي رِوَايَة خَلاد " قدماه " من غير شكّ قَوْله " فَيُقَال لَهُ " لم يذكر الْمَقُول وَلَا بَين الْقَائِل من هُوَ أما الْمَقُول فمقدر تَقْدِيره فَيُقَال لَهُ غفر الله لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه الْبَزَّار " فَقيل لَهُ يَا رَسُول الله أتفعل هَذَا وَقد جَاءَك من الله أَن قد غفر لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر " وَفِي حَدِيث أنس أخرجه الْبَزَّار أَيْضا وَأَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط " فَقيل لَهُ أَلَيْسَ قد غفر الله لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر " وَفِي حَدِيث ابْن مَسْعُود أخرجه الطَّبَرَانِيّ الصَّغِير " فَقيل لَهُ يَا رَسُول الله أوليس الله قد غفر لَك " وَفِي حَدِيث النُّعْمَان بن بشير أخرجه الطَّبَرَانِيّ " فَقيل يَا رَسُول الله أوليس الله قد غفر لَك " وَفِي حَدِيث أبي جُحَيْفَة أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير " فَقيل يَا رَسُول الله قد غفر الله لَك " وَأما بَيَان الْقَائِل فَفِي حَدِيث عَائِشَة " لم تصنع هَذَا يَا رَسُول الله وَقد غفر الله لَك " وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة " فَقيل لَهُ أتتكلف هَذَا " قَوْله " أَفلا أكون عبدا شكُورًا " الْفَاء فِيهِ للسَّبَبِيَّة بَيَان أَن الشُّكْر سَبَب للمغفرة والتهجد هُوَ الشُّكْر فَلَا يتْركهُ (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) قَالَ ابْن بطال فِيهِ أَن أَخذ الْإِنْسَان على نَفسه بالشدة فِي الْعِبَادَة وَإِن أضرّ ذَلِك بِبدنِهِ وَله أَن يَأْخُذ بِالرُّخْصَةِ ويكلف نَفسه بِمَا سمحت إِلَّا أَن الْأَخْذ بالشدة أفضل لِأَنَّهُ إِذا فعل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقد غفر لَهُ فَكيف من لم يعلم أَنه اسْتحق النَّار أم لَا وَإِنَّمَا ألزم الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام أنفسهم شدَّة الْخَوْف لعلمهم عَظِيم نعْمَة الله عَلَيْهِم وَأَنه ابتدأهم بهَا قبل اسْتِحْقَاقهَا فبذلوا مجهودهم فِي شكره مَعَ أَن حُقُوق الله تَعَالَى أعظم من أَن يقوم بهَا الْعباد وَقَالَ بعض الْعلمَاء مَا ورد فِي الْقُرْآن وَالسّنة من ذكر ذَنْب لبَعض الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام كَقَوْلِه {وَعصى آدم ربه فغوى} وَنَحْو ذَلِك فَلَيْسَ لنا أَن نقُول ذَلِك فِي غير الْقُرْآن وَالسّنة حَيْثُ ورد ويؤول ذَلِك على ترك الأولى وَسميت ذنوبا لعظم مقدارهم كَمَا قَالَ بَعضهم حَسَنَات الْأَبْرَار سيئات المقربين وعَلى هَذَا فَمَا وَجه قَول من سَأَلَهُ من الصَّحَابَة بقوله " أتتكلف هَذَا وَقد غفر لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر " وَالْجَوَاب أَن من سَأَلَهُ عَن ذَلِك إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ مَا وَقع فِي سُورَة الْفَتْح وَلَعَلَّ بعض الروَاة اختصر عزو ذَلِك إِلَى الله لما جَاءَ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة " تفعل ذَلِك وَقد جَاءَك من الله أَن قد غفر لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر " وَلَك أَن تَقول دلّ قَوْله " وَمَا تَأَخّر " على انْتِفَاء الذَّنب لِأَن مَا لم يَقع إِلَى الْآن لَا يُسمى ذَنبا فِي الْخَارِج وَأَرَادَ الله تأمينه بذلك لشدَّة خَوفه حَيْثُ قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " إِنِّي لأعلمكم بِاللَّه وأشدكم لَهُ خشيَة " فَأَرَادَ لَو وَقع مِنْك ذَنْب لَكَانَ مغفورا وَلَا يلْزم من فرض ذَلِك وُقُوعه وَالله تَعَالَى أعلم. وَفِي " أَفلا أكون عبدا شكُورًا " أَن الشُّكْر يكون بِالْعَمَلِ كَمَا يكون بِاللِّسَانِ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {اعْمَلُوا آل دَاوُد شكرا} فَإِذا وَفقه الله تَعَالَى لعمل صَالح شكر ذَلِك بِعَمَل آخر ثمَّ يكون شكر ذَلِك الْعلم الثَّانِي بِعَمَل آخر ثَالِث فيتسلسل ذَلِك إِلَى غير نِهَايَة
(بَاب من نَام عِنْد السحر)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من نَام عِنْد السحر وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ والكشميهني " عِنْد السّحُور " السحر بِفتْحَتَيْنِ قبيل الصُّبْح تَقول لَقيته سحرنَا هَذَا إِذا أردْت بِهِ سحر ليلتك لم تصرفه لِأَنَّهُ معدول عَن الْألف وَاللَّام وَهُوَ معرفَة وَقد غلب عَلَيْهِ التَّعْرِيف بِغَيْر إِضَافَة وَلَا ألف وَلَام وَإِذا أردْت بِسحر بكرَة صرفته كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {إِلَّا آل لوط نجيناهم بِسحر} والسحور مَا يتسحر بِهِ وَهُوَ أَيْضا لَا يكون إِلَّا قبيل الصُّبْح وَلكُل وَاحِد من الرِّوَايَتَيْنِ وَجه وَلَكِن عِنْد السحر أوجه وَأقرب
١٦٠ - (حَدثنَا عَليّ بن عبد الله قَالَ حَدثنَا سُفْيَان قَالَ حَدثنَا عَمْرو بن دِينَار أَن عَمْرو بن أَوْس أخبرهُ أَن عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي رَضِي الله عَنْهُمَا أخبرهُ أَن رَسُول الله
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ أحب الصَّلَاة إِلَى الله صَلَاة دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام وَأحب الصّيام إِلَى الله صِيَام دَاوُد وَكَانَ ينَام نصف اللَّيْل وَيقوم ثلثه وينام سدسه ويصوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا) مطابقته للتَّرْجَمَة " وينام سدسه " وَهُوَ النّوم عِنْد السحر كَمَا سنبينه عَن قريب (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ. الثَّانِي سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث عَمْرو بن دِينَار. الرَّابِع عَمْرو بن أَوْس الثَّقَفِيّ الْمَكِّيّ مَاتَ سنة أَرْبَعَة وَتِسْعين وَفِي تذهيب التَّهْذِيب عَمْرو بن أَوْس الثَّقَفِيّ الطَّائِفِي ذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات وَقَالَ بَعضهم هُوَ تَابِعِيّ كَبِير وَوهم من ذكره فِي الصَّحَابَة وَإِنَّمَا الصُّحْبَة لِأَبِيهِ وَذكر الذَّهَبِيّ عَمْرو بن أَوْس فِي تَجْرِيد الصَّحَابَة وَقَالَ عَمْرو بن أَوْس الثَّقَفِيّ الطَّائِفِي لَهُ وفادة وَرِوَايَة روى عَنهُ ابْنه عُثْمَان. الْخَامِس عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي موضِعين وَفِيه أَن شَيْخه مدنِي والبقية مكيون وَفِيه رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ وعَلى قَول من يَقُول أَن عَمْرو بن أَوْس من الصَّحَابَة يكون فِيهِ رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَن قُتَيْبَة وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان وَعَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل وَمُحَمّد بن عِيسَى ومسدد ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة بِهِ وَأخرجه ابْن ماجة فِي الصَّوْم عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الشَّافِعِي الْمَكِّيّ عَن سُفْيَان بِهِ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " لَهُ " أَي لعبد الله بن عَمْرو قَوْله " أحب الصَّلَاة إِلَى الله " لَفْظَة أحب بِمَعْنى المحبوب وَهُوَ قَلِيل إِذْ غَالب أفعل التَّفْضِيل أَن يكون بِمَعْنى الْفَاعِل وَإِطْلَاق الْمحبَّة على الله تَعَالَى كِنَايَة عَن إِرَادَة الْخَيْر قَوْله " صَلَاة دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام " وَقَالَ الْمُهلب كَانَ دَاوُد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام يجم نفس بنوم أول اللَّيْل ثمَّ يقوم فِي الْوَقْت الَّذِي يُنَادي فِيهِ الرب هَل من سَائل فَأعْطِيه سؤله هَل من مُسْتَغْفِر فَأغْفِر لَهُ ثمَّ يسْتَدرك من النّوم مَا يستريح بِهِ من نصب الْقيام فِي بَقِيَّة اللَّيْل وَإِنَّمَا صَار ذَلِك أحب إِلَى الله من أجل الْأَخْذ بالرفق على النُّفُوس الَّتِي يخْشَى مِنْهَا السَّآمَة الَّتِي هِيَ سَبَب ترك الْعِبَادَة وَالله يحب أَن يديم فَضله ويوالي إحسانه وَقيل يُرَاد بقوله " أحب الصَّلَاة إِلَى الله صَلَاة دَاوُد " من عدا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لقَوْله تَعَالَى {يَا أَيهَا المزمل قُم اللَّيْل إِلَّا قَلِيلا} الْآيَات وَفِيه نظر لِأَن هَذَا الْأَمر قد نسخ وَفِي كتاب الْمحَامِلِي وَإِن صلى بعض اللَّيْل فَأَي وَقت أفضل فِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا أَن يُصَلِّي جَوف اللَّيْل وَالثَّانِي وَقت السحر ليُصَلِّي بِهِ صَلَاة الْفجْر قَوْله " وَأحب الصّيام إِلَى الله صِيَام دَاوُد " ظَاهره أَنه أفضل من صَوْم الدَّهْر عِنْد عدم التضرر وَلَا شكّ أَن الْمُكَلف لم يتعبد بالصيام خَاصَّة بل بِهِ وبالحج وبالجهاد وَغير ذَلِك فَإِذا استفرغ جهده فِي الصَّوْم خَاصَّة انْقَطَعت قوته وَبَطلَت سَائِر الْعِبَادَات فَأمر أَن يستبقي قوته قَوْله " وَكَانَ " أَي دَاوُد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَهَذَا بَيَان صلَاته وَقَوله " ويصوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا " بَيَان صِيَامه
١٦١ - (حَدثنِي عَبْدَانِ قَالَ أَخْبرنِي أبي عَن شُعْبَة عَن أَشْعَث قَالَ سَمِعت أبي قَالَ سَمِعت مسروقا قَالَ سَأَلت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَي الْعَمَل كَانَ أحب إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَت الدَّائِم قلت مَتى كَانَ يقوم قَالَت يقوم إِذا سمع الصَّارِخ) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " إِذا سمع الصَّارِخ " والصارخ هُوَ الديك وَإِنَّمَا كَانَ يصْرخ فِي حُدُود الثُّلُث الْأَخير وَوقت السحر فِيهِ (ذكر رِجَاله) وهم سَبْعَة الأول عَبْدَانِ بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة واسْمه عبد الله وعبدان لقب عَلَيْهِ وَقد مر فِي كتاب الْوَحْي الثَّانِي أَبوهُ عُثْمَان بن جبلة بِفَتْح الْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة مر فِي بَاب تَضْييع الصَّلَاة عَن وَقتهَا الثَّالِث شُعْبَة بن الْحجَّاج وَقد تكَرر ذكره الرَّابِع أَشْعَث بِسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَفِي آخِره تَاء مُثَلّثَة الْخَامِس أَبوهُ أَبُو الشعْثَاء واسْمه سليم بن أسود الْمحَاربي السَّادِس مَسْرُوق بن الأجدع
السَّابِع عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِيه السماع فِي موضِعين وَفِيه القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وَفِيه السُّؤَال فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه أَن شَيْخه مروزي سكن الْبَصْرَة وَأَبوهُ كَذَلِك وَشعْبَة واسطي وَأَشْعَث وَأَبوهُ ومسروق كوفيون وَفِيه أَن شَيْخه مَذْكُور بلقبه وَفِيه رِوَايَة الابْن عَن الْأَب فِي موضِعين وَفِيه رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن الصحابية. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي هَذَا الْبَاب عَن مُحَمَّد عَن أبي الْأَحْوَص وَأخرجه فِي الرقَاق أَيْضا عَن عَبْدَانِ عَن أَبِيه وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن هناد عَن أبي الْأَحْوَص بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى الرَّازِيّ وهناد بن السّري كِلَاهُمَا عَن أبي الْأَحْوَص وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن صدران (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " الدَّائِم " مَرْفُوع لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَهُوَ من الدَّوَام وَهُوَ الْمُلَازمَة الْعُرْفِيَّة لَا شُمُول الْأَزْمِنَة لِأَنَّهُ مُتَعَذر وَمَا ذَاك إِلَّا تَكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق وَيُقَال الدَّوَام على الْعَمَل الْقَلِيل يكون أَكثر وَإِذا تكلّف الْمَشَقَّة فِي الْعَمَل انْقَطع عَنهُ فَيكون أقل قَوْله " الصَّارِخ " أَي الديك والصرخة الصَّيْحَة الشَّدِيدَة قَالَ مُحَمَّد بن نَاصِر جرت الْعَادة بِأَن الديك يَصِيح عِنْد نصف اللَّيْل غَالِبا وَقَالَ ابْن التِّين هُوَ مُوَافق لقَوْل ابْن عَبَّاس نصف اللَّيْل أَو قبله بِقَلِيل أَو بعده بِقَلِيل وَقَالَ ابْن بطال الصَّارِخ يصْرخ عِنْد ثلث اللَّيْل فَكَانَ دَاوُد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام يتحَرَّى الْوَقْت الَّذِي يُنَادي الله فِيهِ هَل من سَائل كَذَا وَالْمرَاد من الدَّوَام قِيَامه كل لَيْلَة فِي ذَلِك الْوَقْت لَا الدَّوَام الْمُطلق (قلت) وَبِهَذَا يُجَاب عَمَّا يُقَال الصَّارِخ يدل على عدم الدَّوَام فَيكون مناقضا لقَوْله " الدَّائِم " (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ الْحَث على المداومة على الْعَمَل وَإِن قَلِيله الدَّائِم خير من كثير يَنْقَطِع وَذَلِكَ لِأَن مَا يَدُوم عَلَيْهِ بِلَا مشقة وملل تكون النَّفس بِهِ أنْشد وَالْقلب منشرحا بِخِلَاف مَا يتعاطاه من الْأَعْمَال الشاقة فَإِنَّهُ بصدد أَن يتْركهُ كُله أَو بعضه أَو يَفْعَله بِغَيْر الانشراح فيفوته خير كثير وَفِيه الاقتصاد فِي الْعِبَادَة وَالنَّهْي عَن التعمق فِيهَا.
١٦٢ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام قَالَ أخبرنَا أَبُو الْأَحْوَص عَن الْأَشْعَث قَالَ إِذا سمع الصَّارِخ قَامَ فصلى) هَذَا حَدِيث آخر فِي الحَدِيث السَّابِق رَوَاهُ عَن مُحَمَّد وَهُوَ ابْن سَلام وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر وَمُحَمّد بن سَلام وَكَذَا نسبه أَبُو عَليّ بن السكن قَالَ الجياني فِي نُسْخَة أبي ذَر عَن أبي أَحْمد الْحَمَوِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن سَالم وَقَالَ أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ مُحَمَّد ابْن سَالم وسَاق الحَدِيث حَدثنَا مُحَمَّد بن سَالم وعَلى سَالم عَلامَة الْحَمَوِيّ قَالَ وَسَأَلت عَنهُ أَبَا ذَر فَقَالَ أرَاهُ ابْن سَلام وسها فِيهِ أَبُو مُحَمَّد الْحَمَوِيّ وَلَا أعلم فِي طبقَة البُخَارِيّ مُحَمَّد بن سَالم وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن مُحَمَّد بن يحيى الْمروزِي حَدثنَا خلف بن هِشَام حَدثنَا أَبُو الْأَحْوَص عَن أَشْعَث عَن أَبِيه عَن مَسْرُوق وَالْأسود قَالَ سَأَلت عَائِشَة الحَدِيث ثمَّ قَالَ وَلم يذكر البُخَارِيّ بعد أَشْعَث فِي هَذَا أحدا وَأَبُو الْأَحْوَص اسْمه سَلام بن سليم الْكُوفِي مر فِي بَاب النَّحْر بالمصلى وَأخرجه مُسلم من طَرِيقه فَقَالَ حَدثنِي هناد بن السّري قَالَ حَدثنَا أَبُو الْأَحْوَص عَن أَشْعَث عَن أَبِيه " عَن مَسْرُوق قَالَ سَأَلت عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا عَن عمل رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَت كَانَ يحب الدَّائِم قَالَ قلت أَي حِين كَانَ يُصَلِّي فَقَالَت كَانَ إِذا سمع الصَّارِخ قَامَ فصلى " وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا حَدثنَا إِبْرَاهِيم أخبرنَا أَبُو الْأَحْوَص وَحدثنَا هناد عَن أبي الْأَحْوَص وَهَذَا حَدِيث إِبْرَاهِيم عَن أَشْعَث عَن أَبِيه " عَن مَسْرُوق قَالَ سَأَلت عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا عَن صَلَاة رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقلت لَهَا أَي حِين كَانَ يُصَلِّي قَالَت كَانَ إِذا سمع الصُّرَاخ قَامَ فصلى " قَوْله " إِذا سمع الصُّرَاخ " أَي صياح الديك وَهَذَا يدل على أَن قِيَامه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يكون فِي الثُّلُث الْأَخير من اللَّيْل لِأَن الديك مَا يكثر الصياح إِلَّا فِي ذَلِك الْوَقْت وَإِنَّمَا اخْتَار - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هَذَا الْوَقْت لِأَنَّهُ وَقت نزُول الرَّحْمَة وَوقت السّكُون وهدو الْأَصْوَات.
١٦٣ - (حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن سعد قَالَ ذكر أبي عَن أبي سَلمَة
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الزِّيَادَةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ التَّضْعِيفَ لَا يَنْقُصُ عَنِ الْعَشْرِ، وَدَفَعَ بَعْضُهُمْ فِي أَصْلِ السُّؤَالِ بِأَنَّ الزَّمَانَ كَانَ قَابِلًا لِلنَّسْخِ، فَلَا مَانِعَ مِنْ خَشْيَةِ الِافْتِرَاضِ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ خَبَرٌ، وَالنَّسْخُ لَا يَدْخُلُهُ عَلَى الرَّاجِحِ، وَلَيْسَ هُوَ كَقَوْلِهِ مَثَلًا لَهُمْ: صُومُوا الدَّهْرَ أَبَدًا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ النَّسْخُ.
وَقَدْ فَتَحَ الْبَارِي بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ أُخْرَى: أَحَدِهَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَخُوِّفُ افْتِرَاضَ قِيَامِ اللَّيْلِ، بِمَعْنَى جَعْلِ التَّهَجُّدِ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً شَرْطًا فِي صِحَّةِ التَّنَفُّلِ بِاللَّيْلِ، وَيُومِئُ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ، فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ. فَمَنَعَهُمْ مِنَ التَّجْمِيعِ فِي الْمَسْجِدِ إِشْفَاقًا عَلَيْهِمْ مِنَ اشْتِرَاطِهِ، وَأُمِنَ مَعَ إِذْنِهِ فِي الْمُوَاظَبَةِ عَلَى ذَلِكَ فِي بُيُوتِهِمْ مِنَ افْتِرَاضِهِ عَلَيْهِمْ. ثَانِيهَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَخُوِّفُ افْتِرَاضَ قِيَامِ اللَّيْلِ عَلَى الْكِفَايَةِ لَا عَلَى الْأَعْيَانِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ زَائِدًا عَلَى الْخَمْسِ؛ بَلْ هُوَ نَظِيرُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ قَوْمٌ فِي الْعِيدِ وَنَحْوِهَا. ثَالِثُهَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَخُوِّفُ افْتِرَاضَ قِيَامِ رَمَضَانَ خَاصَّةً، فَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي رَمَضَانَ، وَفِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ: خَشِيتُ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْكُمْ قِيَامُ هَذَا الشَّهْرِ، فَعَلَى هَذَا يَرْتَفِعُ الْإِشْكَالُ؛ لِأَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ لَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ يَوْمٍ فِي السَّنَةِ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى الْخَمْسِ. وَأَقْوَى هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ الثَّلَاثَةِ - فِي نَظَرِي - الْأَوَّلُ، وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ - غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ - نَدْبُ قِيَامِ اللَّيْلِ وَلَاسِيَّمَا فِي رَمَضَانَ جَمَاعَةً؛ لِأَنَّ الْخَشْيَةَ الْمَذْكُورَةَ أُمِنَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ، وَلِذَلِكَ جَمَعَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الصِّيَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِيهِ جَوَازُ الْفِرَارِ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ، قَالَهُ الْمُهَلَّبُ، وَفِيهِ أَنَّ الْكَبِيرَ إِذَا فَعَلَ شَيْئًا خِلَافَ مَا اعْتَادَهُ أَتْبَاعُهُ أَنْ يَذْكُرَ لَهُمْ عُذْرَهُ وَحُكْمَهُ وَالْحِكْمَةَ فِيهِ، وَفِيهِ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ مِنَ الزَّهَادَةِ فِي الدُّنْيَا، وَالِاكْتِفَاءِ بِمَا قَلَّ مِنْهَا وَالشَّفَقَةِ عَلَى أُمَّتِهِ وَالرَّأْفَةِ بِهِمْ، وَفِيهِ تَرْكُ بَعْضِ الْمَصَالِحِ لِخَوْفِ الْمَفْسَدَةِ، وَتَقْدِيمِ أَهَمِّ الْمَصْلَحَتَيْنِ، وَفِيهِ جَوَازُ الِاقْتِدَاءِ بِمَنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ نَظَرٌ (١) لِأَنَّ نَفْيَ النِّيَّةِ لَمْ يُنْقَلْ، وَلَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ بِالظَّنِّ، وَفِيهِ تَرْكُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِلنَّوَافِلِ إِذَا صُلِّيَتْ جَمَاعَةً.
٦ - بَاب قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّيْلَ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ يَقُومُ حَتَّى تَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، وَالْفُطُورُ: الشُّقُوقُ، ﴿انْفَطَرَتْ﴾: انْشَقَّتْ.
١١٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ ﵁ يَقُولُ: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَيَقُومُ - أو لِيُصَلِّيَ: حَتَّى تَرِمُ قَدَمَاهُ - أَوْ سَاقَاهُ - فَيُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟.
[الحديث ١١٣٠ - طرفاه في: ٤٨٣٦، ٦٤٧١]
قَوْلُهُ: (بَابُ قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّيْلَ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْهُ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ. وَلِلْبَاقِينَ: قِيَامُ اللَّيْلِ لِلنَّبِيِّ ﷺ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ يَقُومُ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَلِغَيْرِهِ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى تَفَطَّرَ) بِتَاءٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ: تَتْفَطَّرُ بِمُثَنَّاتَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَالْفُطُورُ الشُّقُوقُ) كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْمَجَازِ.
قَوْلُهُ: (انْفَطَرَتْ: انْشَقَّتْ) هَذَا التَّفْسِيرُ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مَوْصُولًا، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ:
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَغَيْرِهِمَا ذَلِكَ، وَكَذَا حَكَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ الشَّامِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَتْحِ.
قَوْلُهُ: (عَنْ زِيَادٍ) هُوَ ابْنُ عِلَاقَةَ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الرِّقَاقِ، عَنْ خَلَّادِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ مِسْعَرٍ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ.
(تَنْبِيهٌ): هَكَذَا رَوَاهُ الْحُفَّاظُ مِنْ أَصْحَابِ مِسْعَرٍ عَنْهُ، وَخَالَفَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ وَحْدَهُ، فَرَوَاهُ عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَقَالَ: الصَّوَابُ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ زِيَادٍ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي قَتَادَةَ الْحَرَّانِيِّ، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، وَأَخْطَأَ فِيهِ أَيْضًا، وَالصَّوَابُ مِسْعَرٌ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ.
قَوْلُهُ: (إِنْ كَانَ لَيَقُومُ أَوْ لَيُصَلِّي) إِنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وَلَيَقُومُ بِفَتْحِ اللَّامِ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: لَيَقُومُ يُصَلِّي، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ.
قَوْلُهُ: (حَتَّى تَرِمُ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ، وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ مِنَ الْوَرَمِ، هَكَذَا سُمِعَ، وَهُوَ نَادِرٌ، وَفِي رِوَايَةِ خَلَّادِ بْنِ يَحْيَى: حَتَّى تَرِمَ أَوْ تَنْتَفِخَ قَدَمَاهُ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ، عَنْ زِيَادٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: حَتَّى انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ.
قَوْلُهُ: (قَدَمَاهُ أَوْ سَاقَاهُ)، وَفِي رِوَايَةِ خَلَّادٍ: قَدَمَاهُ وَلَمْ يَشُكَّ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي تَفْسِيرِ الْفَتْحِ: حَتَّى تَوَرَّمَتْ، وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: حَتَّى تَزْلَعَ قَدَمَاهُ بِزَايٍ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ، وَلَا اخْتِلَافَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ، فَإِنَّهُ إِذَا حَصَلَ الِانْتِفَاخُ أَوِ الْوَرَمُ حَصَلَ الزَّلَعُ وَالتَّشَقُّقُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (فَيُقَالُ لَهُ) لَمْ يَذْكُرِ الْمَقُولَ، وَلَمْ يُسَمِّ الْقَائِلَ، وَفِي تَفْسِيرِ الْفَتْحِ: فَقِيلَ لَهُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ: فَقِيلَ لَهُ: أَتَتَكَلَّفُ هَذَا. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ؟. وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْبَزَّارِ: فَقِيلَ لَهُ: تَفْعَلُ هَذَا، وَقَدْ جَاءَكَ مِنَ اللَّهِ أَنْ قَدْ غَفَرَ لَكَ؟
قَوْلُهُ: (أَفَلَا أَكُونُ) فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ (عَبْدًا شَكُورًا)، وَزَادَتْ فِيهِ: فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمُهُ صَلَّى جَالِسًا، الْحَدِيثَ. وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: أَفَلَا أَكُونُ؛ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَهِيَ عَنْ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أَأَتْرُكُ تَهَجُّدِي، فَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَغْفِرَةَ سَبَبٌ لِكَوْنِ التَّهَجُّدِ شُكْرًا، فَكَيْفَ أَتْرُكُهُ؟ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَخْذُ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ بِالشِّدَّةِ فِي الْعِبَادَةِ، وَإِنْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِبَدَنِهِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ بِمَا سَبَقَ لَهُ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ، فَضْلًا عَمَّنْ لَمْ يَأْمَنْ أَنَّهُ اسْتَحَقَّ النَّارَ. انْتَهَى. وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا إِذَا لَمْ يُفْضِ إِلَى الْمَلَالِ؛ لِأَنَّ حَالَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ أَكْمَلَ الْأَحْوَالِ، فَكَانَ لَا يَمَلُّ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَإِنْ أَضَرَّ ذَلِكَ بِبَدَنِهِ، بَلْ صَحَّ أَنَّهُ قَالَ: وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ، كَمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، فَأَمَّا غَيْرُهُ ﷺ فَإِذَا خَشِيَ الْمَلَلَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكْرِهَ نَفْسَهُ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ ﷺ: خُذُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا.
وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الصَّلَاةِ لِلشُّكْرِ، وَفِيهِ أَنَّ الشُّكْرَ يَكُونُ بِالْعَمَلِ، كَمَا يَكُونُ بِاللِّسَانِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ظَنَّ مَنْ سَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ تَحَمُّلِهِ الْمَشَقَّةَ فِي الْعِبَادَةِ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْبُدُ اللَّهَ خَوْفًا مِنَ الذُّنُوبِ، وَطَلَبًا لِلْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، فَمَنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ غُفِرَ لَهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَفَادَهُمْ أَنَّ هُنَاكَ طَرِيقًا آخَرَ لِلْعِبَادَةِ، وَهُوَ الشُّكْرُ عَلَى الْمَغْفِرَةِ وَإِيصَالُ النِّعْمَةِ لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ فِيهَا شَيْئًا، فَيَتَعَيَّنُ كَثْرَةُ الشُّكْرِ عَلَى ذَلِكَ، وَالشُّكْرُ: الِاعْتِرَافُ بِالنِّعْمَةِ، وَالْقِيَامُ بِالْخِدْمَةِ، فَمَنْ كَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ سُمِّيَ شَكُورًا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ﷾: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾. وَفِيهِ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ وَالْخَشْيَةِ مِنْ رَبِّهِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّمَا أَلْزَمَ الْأَنْبِيَاءُ أَنْفُسَهُمْ بِشِدَّةِ الْخَوْفِ لِعِلْمِهِمْ بِعَظِيمِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ ابْتَدَأَهُمْ بِهَا قَبْلَ اسْتِحْقَاقِهَا، فَبَذَلُوا مَجْهُودَهُمْ فِي عِبَادَتِهِ لِيُؤَدُّوا بَعْضَ شُكْرِهِ، مَعَ أَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَقُومَ بِهَا الْعِبَادُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٦) (باب قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ) زاد الحَمُّويي في نسخةٍ والمُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ والأَصيليُّ: «اللَّيل»، وسقط عند أبي الوقت وابن عساكر (حتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ) بفتح المثنَّاة الفوقيَّة وكسر الرَّاء؛ من الورم، وسقط ذلك -أي: «حتَّى ترم قدماه» - عند (١) أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ في نسخةٍ والحَمُّويي والمُستملي: «باب قيام اللَّيل للنَّبيِّ ﷺ» (وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂) ممَّا وصله في «سورة الفتح» من «التَّفسير» [خ¦٤٨٣٧]: (حَتَّى) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: «كان يقوم»، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «قام حتَّى» (تَفَطَّرَ قَدَمَاهُ) بحذف إحدى التَّاءين وتشديد الطَّاء وفتح الرَّاء، بصيغة الماضي (٢)، وللأَصيليِّ: «قام رسول الله ﷺ حتَّى تتفطَّرَ قدماه» بمثنَّاتين فوقيَّتين على الأصل وفتح (٣) الرَّاء (وَالفُطُورُ: الشُّقُوقُ) كما فسَّره به أبو عبيدة في «المجاز» (﴿انفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]: انْشَقَّتْ) كذا فسَّره الضَّحَّاك فيما رواه ابن أبي حاتمٍ عنه موصولًا.
١١٣٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضلُ بن دُكَين (قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وسكون السِّين المهملة، ابن كِدَام العامريُّ الهلاليُّ (عَنْ زِيَادٍ) بكسر الزَّاي وتخفيف الياء، ابن عِلَاقَةَ الثَّعلبيِّ (قَالَ: سَمِعْتُ المُغِيرَةَ) بن شُعبة (﵁ يَقُولُ: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَيَقُومُ لِيُصَلِّيَ) بكسر همزة «إن» وتخفيف النُّون، وحذف ضمير الشَّأن، تقديره: إنَّه كان؛ وبفتح لام «لَيقوم» للتَّأكيد، وكسر لام «لِيصَلِّي»، ولكريمةَ: «لَيقوم يصلِّي» بحذف لام «يصلِّي»، وللأربعة: «أو لَيصلِّي» مع فتح اللَّام على الشَّكِّ (حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ) بكسر الرَّاء وتخفيف الميم،
منصوبة بلفظ المضارع، ويجوز رفعها (أَوْ سَاقَاهُ) شكٌّ من الرَّاوي، وفي رواية خلَّاد بن يحيى [خ¦٦٤٧١]: «حتَّى ترمَ، أو تنتفخ قدماه (١)» (فَيُقَالُ لَهُ) ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وفي حديث عائشة [خ¦٤٨٣٧]: «لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك؟» (فَيَقُولُ: أَفَلَا) الفاء مُسبِّبٌ عن محذوف، أي: أأترك قيامي وتهجُّدي لِما غُفر لي فلا (أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟!) يعني: غفران الله لي (٢) سببٌ لأن أقومَ أتهجَّدُ شكرًا له (٣)، فكيف أتركه؟! كأنَّ المعنى: ألا أشكره وقد أنعم عليَّ وخصَّني بخير الدَّارين؟! فإنَّ الشَّكور من أبنية المبالغة يستدعي نعمةً خطيرةً، وتخصيص العبد بالذِّكر مشعرٌ بغاية الإكرام والقرب من الله تعالى، ومن ثمَّ وصفه به في مقام الإسراء، ولأنَّ العبودية تقتضي صحَّة النِّسبة، وليست إلَّا بالعبادة، والعبادة عين الشُّكر.
وفيه أخذ الإنسان على نفسه بالشِّدة في العبادة وإن أضرَّ ذلك ببدنه، لكن ينبغي تقييد ذلك بما إذا لم يفض إلى المَلال؛ لأنَّ حالة النَّبيِّ ﷺ كانت أكملَ الأحوال، فكان لا يملُّ من العبادة وإن أضرَّ ذلك ببدنه، بل صحَّ أنَّه قال: «وجُعِلَت قرَّة عيني في الصَّلاة» رواه النَّسائيُّ، فأمَّا غيره ﵊؛ فإذا خشي الملل ينبغي له (٤) ألَّا يكدَّ نفسه حتَّى يملَّ، نعم؛ الأخذ بالشدَّة أفضل؛ لأنَّه إذا كان هذا فِعل المغفورِ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر؛ فكيف بمن جُهِل حاله وأثقلت ظهره الأوزار، ولا يأمن عذاب النَّار؟
ورواة هذا الحديث كوفيُّون، وهو من الرُّباعيَّات، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والسَّماع، والقول، وأخرجه أيضًا في «الرَّقاق» [خ¦٦٤٧١] و «التَّفسير» [خ¦٤٨٣٦]، ومسلمٌ في أواخر الكتاب، والتِّرمذيُّ في «الصَّلاة»، وكذا النَّسائيُّ وابن ماجه.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
هُرَيْرَة حَتَّى تزلع وَلَا اخْتِلَاف فِي الْحَقِيقَة فِي هَذِه الرِّوَايَة لِأَن كلهَا ترجع إِلَى معنى وَاحِد وروى الْبَزَّار من حَدِيث مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن سفينة عَن أَبِيه عَن جده " أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تعبد قبل أَن يَمُوت وَاعْتَزل النِّسَاء حَتَّى صَار كَأَنَّهُ شن " وَفِي سَنَده مُحَمَّد بن الْحجَّاج قَالَ ابْن معِين لَيْسَ بِثِقَة قَوْله " أَو ساقاه " شكّ من الرَّاوِي وَفِي رِوَايَة خَلاد " قدماه " من غير شكّ قَوْله " فَيُقَال لَهُ " لم يذكر الْمَقُول وَلَا بَين الْقَائِل من هُوَ أما الْمَقُول فمقدر تَقْدِيره فَيُقَال لَهُ غفر الله لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة أخرجه الْبَزَّار " فَقيل لَهُ يَا رَسُول الله أتفعل هَذَا وَقد جَاءَك من الله أَن قد غفر لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر " وَفِي حَدِيث أنس أخرجه الْبَزَّار أَيْضا وَأَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط " فَقيل لَهُ أَلَيْسَ قد غفر الله لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر " وَفِي حَدِيث ابْن مَسْعُود أخرجه الطَّبَرَانِيّ الصَّغِير " فَقيل لَهُ يَا رَسُول الله أوليس الله قد غفر لَك " وَفِي حَدِيث النُّعْمَان بن بشير أخرجه الطَّبَرَانِيّ " فَقيل يَا رَسُول الله أوليس الله قد غفر لَك " وَفِي حَدِيث أبي جُحَيْفَة أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير " فَقيل يَا رَسُول الله قد غفر الله لَك " وَأما بَيَان الْقَائِل فَفِي حَدِيث عَائِشَة " لم تصنع هَذَا يَا رَسُول الله وَقد غفر الله لَك " وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة " فَقيل لَهُ أتتكلف هَذَا " قَوْله " أَفلا أكون عبدا شكُورًا " الْفَاء فِيهِ للسَّبَبِيَّة بَيَان أَن الشُّكْر سَبَب للمغفرة والتهجد هُوَ الشُّكْر فَلَا يتْركهُ (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) قَالَ ابْن بطال فِيهِ أَن أَخذ الْإِنْسَان على نَفسه بالشدة فِي الْعِبَادَة وَإِن أضرّ ذَلِك بِبدنِهِ وَله أَن يَأْخُذ بِالرُّخْصَةِ ويكلف نَفسه بِمَا سمحت إِلَّا أَن الْأَخْذ بالشدة أفضل لِأَنَّهُ إِذا فعل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَقد غفر لَهُ فَكيف من لم يعلم أَنه اسْتحق النَّار أم لَا وَإِنَّمَا ألزم الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام أنفسهم شدَّة الْخَوْف لعلمهم عَظِيم نعْمَة الله عَلَيْهِم وَأَنه ابتدأهم بهَا قبل اسْتِحْقَاقهَا فبذلوا مجهودهم فِي شكره مَعَ أَن حُقُوق الله تَعَالَى أعظم من أَن يقوم بهَا الْعباد وَقَالَ بعض الْعلمَاء مَا ورد فِي الْقُرْآن وَالسّنة من ذكر ذَنْب لبَعض الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام كَقَوْلِه {وَعصى آدم ربه فغوى} وَنَحْو ذَلِك فَلَيْسَ لنا أَن نقُول ذَلِك فِي غير الْقُرْآن وَالسّنة حَيْثُ ورد ويؤول ذَلِك على ترك الأولى وَسميت ذنوبا لعظم مقدارهم كَمَا قَالَ بَعضهم حَسَنَات الْأَبْرَار سيئات المقربين وعَلى هَذَا فَمَا وَجه قَول من سَأَلَهُ من الصَّحَابَة بقوله " أتتكلف هَذَا وَقد غفر لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر " وَالْجَوَاب أَن من سَأَلَهُ عَن ذَلِك إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ مَا وَقع فِي سُورَة الْفَتْح وَلَعَلَّ بعض الروَاة اختصر عزو ذَلِك إِلَى الله لما جَاءَ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة " تفعل ذَلِك وَقد جَاءَك من الله أَن قد غفر لَك مَا تقدم من ذَنْبك وَمَا تَأَخّر " وَلَك أَن تَقول دلّ قَوْله " وَمَا تَأَخّر " على انْتِفَاء الذَّنب لِأَن مَا لم يَقع إِلَى الْآن لَا يُسمى ذَنبا فِي الْخَارِج وَأَرَادَ الله تأمينه بذلك لشدَّة خَوفه حَيْثُ قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " إِنِّي لأعلمكم بِاللَّه وأشدكم لَهُ خشيَة " فَأَرَادَ لَو وَقع مِنْك ذَنْب لَكَانَ مغفورا وَلَا يلْزم من فرض ذَلِك وُقُوعه وَالله تَعَالَى أعلم. وَفِي " أَفلا أكون عبدا شكُورًا " أَن الشُّكْر يكون بِالْعَمَلِ كَمَا يكون بِاللِّسَانِ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {اعْمَلُوا آل دَاوُد شكرا} فَإِذا وَفقه الله تَعَالَى لعمل صَالح شكر ذَلِك بِعَمَل آخر ثمَّ يكون شكر ذَلِك الْعلم الثَّانِي بِعَمَل آخر ثَالِث فيتسلسل ذَلِك إِلَى غير نِهَايَة
(بَاب من نَام عِنْد السحر)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من نَام عِنْد السحر وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ والكشميهني " عِنْد السّحُور " السحر بِفتْحَتَيْنِ قبيل الصُّبْح تَقول لَقيته سحرنَا هَذَا إِذا أردْت بِهِ سحر ليلتك لم تصرفه لِأَنَّهُ معدول عَن الْألف وَاللَّام وَهُوَ معرفَة وَقد غلب عَلَيْهِ التَّعْرِيف بِغَيْر إِضَافَة وَلَا ألف وَلَام وَإِذا أردْت بِسحر بكرَة صرفته كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {إِلَّا آل لوط نجيناهم بِسحر} والسحور مَا يتسحر بِهِ وَهُوَ أَيْضا لَا يكون إِلَّا قبيل الصُّبْح وَلكُل وَاحِد من الرِّوَايَتَيْنِ وَجه وَلَكِن عِنْد السحر أوجه وَأقرب
١٦٠ - (حَدثنَا عَليّ بن عبد الله قَالَ حَدثنَا سُفْيَان قَالَ حَدثنَا عَمْرو بن دِينَار أَن عَمْرو بن أَوْس أخبرهُ أَن عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي رَضِي الله عَنْهُمَا أخبرهُ أَن رَسُول الله
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ أحب الصَّلَاة إِلَى الله صَلَاة دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام وَأحب الصّيام إِلَى الله صِيَام دَاوُد وَكَانَ ينَام نصف اللَّيْل وَيقوم ثلثه وينام سدسه ويصوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا) مطابقته للتَّرْجَمَة " وينام سدسه " وَهُوَ النّوم عِنْد السحر كَمَا سنبينه عَن قريب (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة. الأول عَليّ بن عبد الله الْمَعْرُوف بِابْن الْمَدِينِيّ. الثَّانِي سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث عَمْرو بن دِينَار. الرَّابِع عَمْرو بن أَوْس الثَّقَفِيّ الْمَكِّيّ مَاتَ سنة أَرْبَعَة وَتِسْعين وَفِي تذهيب التَّهْذِيب عَمْرو بن أَوْس الثَّقَفِيّ الطَّائِفِي ذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات وَقَالَ بَعضهم هُوَ تَابِعِيّ كَبِير وَوهم من ذكره فِي الصَّحَابَة وَإِنَّمَا الصُّحْبَة لِأَبِيهِ وَذكر الذَّهَبِيّ عَمْرو بن أَوْس فِي تَجْرِيد الصَّحَابَة وَقَالَ عَمْرو بن أَوْس الثَّقَفِيّ الطَّائِفِي لَهُ وفادة وَرِوَايَة روى عَنهُ ابْنه عُثْمَان. الْخَامِس عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي موضِعين وَفِيه أَن شَيْخه مدنِي والبقية مكيون وَفِيه رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ عَن الصَّحَابِيّ وعَلى قَول من يَقُول أَن عَمْرو بن أَوْس من الصَّحَابَة يكون فِيهِ رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصَّحَابِيّ. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي أَحَادِيث الْأَنْبِيَاء عَن قُتَيْبَة وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم عَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان وَعَن مُحَمَّد بن رَافع عَن عبد الرَّزَّاق وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل وَمُحَمّد بن عِيسَى ومسدد ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان بِهِ وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة بِهِ وَأخرجه ابْن ماجة فِي الصَّوْم عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد الشَّافِعِي الْمَكِّيّ عَن سُفْيَان بِهِ (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " لَهُ " أَي لعبد الله بن عَمْرو قَوْله " أحب الصَّلَاة إِلَى الله " لَفْظَة أحب بِمَعْنى المحبوب وَهُوَ قَلِيل إِذْ غَالب أفعل التَّفْضِيل أَن يكون بِمَعْنى الْفَاعِل وَإِطْلَاق الْمحبَّة على الله تَعَالَى كِنَايَة عَن إِرَادَة الْخَيْر قَوْله " صَلَاة دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام " وَقَالَ الْمُهلب كَانَ دَاوُد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام يجم نفس بنوم أول اللَّيْل ثمَّ يقوم فِي الْوَقْت الَّذِي يُنَادي فِيهِ الرب هَل من سَائل فَأعْطِيه سؤله هَل من مُسْتَغْفِر فَأغْفِر لَهُ ثمَّ يسْتَدرك من النّوم مَا يستريح بِهِ من نصب الْقيام فِي بَقِيَّة اللَّيْل وَإِنَّمَا صَار ذَلِك أحب إِلَى الله من أجل الْأَخْذ بالرفق على النُّفُوس الَّتِي يخْشَى مِنْهَا السَّآمَة الَّتِي هِيَ سَبَب ترك الْعِبَادَة وَالله يحب أَن يديم فَضله ويوالي إحسانه وَقيل يُرَاد بقوله " أحب الصَّلَاة إِلَى الله صَلَاة دَاوُد " من عدا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لقَوْله تَعَالَى {يَا أَيهَا المزمل قُم اللَّيْل إِلَّا قَلِيلا} الْآيَات وَفِيه نظر لِأَن هَذَا الْأَمر قد نسخ وَفِي كتاب الْمحَامِلِي وَإِن صلى بعض اللَّيْل فَأَي وَقت أفضل فِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا أَن يُصَلِّي جَوف اللَّيْل وَالثَّانِي وَقت السحر ليُصَلِّي بِهِ صَلَاة الْفجْر قَوْله " وَأحب الصّيام إِلَى الله صِيَام دَاوُد " ظَاهره أَنه أفضل من صَوْم الدَّهْر عِنْد عدم التضرر وَلَا شكّ أَن الْمُكَلف لم يتعبد بالصيام خَاصَّة بل بِهِ وبالحج وبالجهاد وَغير ذَلِك فَإِذا استفرغ جهده فِي الصَّوْم خَاصَّة انْقَطَعت قوته وَبَطلَت سَائِر الْعِبَادَات فَأمر أَن يستبقي قوته قَوْله " وَكَانَ " أَي دَاوُد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَهَذَا بَيَان صلَاته وَقَوله " ويصوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا " بَيَان صِيَامه
١٦١ - (حَدثنِي عَبْدَانِ قَالَ أَخْبرنِي أبي عَن شُعْبَة عَن أَشْعَث قَالَ سَمِعت أبي قَالَ سَمِعت مسروقا قَالَ سَأَلت عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَي الْعَمَل كَانَ أحب إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَت الدَّائِم قلت مَتى كَانَ يقوم قَالَت يقوم إِذا سمع الصَّارِخ) مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله " إِذا سمع الصَّارِخ " والصارخ هُوَ الديك وَإِنَّمَا كَانَ يصْرخ فِي حُدُود الثُّلُث الْأَخير وَوقت السحر فِيهِ (ذكر رِجَاله) وهم سَبْعَة الأول عَبْدَانِ بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة واسْمه عبد الله وعبدان لقب عَلَيْهِ وَقد مر فِي كتاب الْوَحْي الثَّانِي أَبوهُ عُثْمَان بن جبلة بِفَتْح الْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة مر فِي بَاب تَضْييع الصَّلَاة عَن وَقتهَا الثَّالِث شُعْبَة بن الْحجَّاج وَقد تكَرر ذكره الرَّابِع أَشْعَث بِسُكُون الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة وَفِي آخِره تَاء مُثَلّثَة الْخَامِس أَبوهُ أَبُو الشعْثَاء واسْمه سليم بن أسود الْمحَاربي السَّادِس مَسْرُوق بن الأجدع
السَّابِع عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه الْإِخْبَار بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِيه السماع فِي موضِعين وَفِيه القَوْل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع وَفِيه السُّؤَال فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه أَن شَيْخه مروزي سكن الْبَصْرَة وَأَبوهُ كَذَلِك وَشعْبَة واسطي وَأَشْعَث وَأَبوهُ ومسروق كوفيون وَفِيه أَن شَيْخه مَذْكُور بلقبه وَفِيه رِوَايَة الابْن عَن الْأَب فِي موضِعين وَفِيه رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن الصحابية. (ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره) أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي هَذَا الْبَاب عَن مُحَمَّد عَن أبي الْأَحْوَص وَأخرجه فِي الرقَاق أَيْضا عَن عَبْدَانِ عَن أَبِيه وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن هناد عَن أبي الْأَحْوَص بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن إِبْرَاهِيم بن مُوسَى الرَّازِيّ وهناد بن السّري كِلَاهُمَا عَن أبي الْأَحْوَص وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن صدران (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " الدَّائِم " مَرْفُوع لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَهُوَ من الدَّوَام وَهُوَ الْمُلَازمَة الْعُرْفِيَّة لَا شُمُول الْأَزْمِنَة لِأَنَّهُ مُتَعَذر وَمَا ذَاك إِلَّا تَكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق وَيُقَال الدَّوَام على الْعَمَل الْقَلِيل يكون أَكثر وَإِذا تكلّف الْمَشَقَّة فِي الْعَمَل انْقَطع عَنهُ فَيكون أقل قَوْله " الصَّارِخ " أَي الديك والصرخة الصَّيْحَة الشَّدِيدَة قَالَ مُحَمَّد بن نَاصِر جرت الْعَادة بِأَن الديك يَصِيح عِنْد نصف اللَّيْل غَالِبا وَقَالَ ابْن التِّين هُوَ مُوَافق لقَوْل ابْن عَبَّاس نصف اللَّيْل أَو قبله بِقَلِيل أَو بعده بِقَلِيل وَقَالَ ابْن بطال الصَّارِخ يصْرخ عِنْد ثلث اللَّيْل فَكَانَ دَاوُد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام يتحَرَّى الْوَقْت الَّذِي يُنَادي الله فِيهِ هَل من سَائل كَذَا وَالْمرَاد من الدَّوَام قِيَامه كل لَيْلَة فِي ذَلِك الْوَقْت لَا الدَّوَام الْمُطلق (قلت) وَبِهَذَا يُجَاب عَمَّا يُقَال الصَّارِخ يدل على عدم الدَّوَام فَيكون مناقضا لقَوْله " الدَّائِم " (ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ) فِيهِ الْحَث على المداومة على الْعَمَل وَإِن قَلِيله الدَّائِم خير من كثير يَنْقَطِع وَذَلِكَ لِأَن مَا يَدُوم عَلَيْهِ بِلَا مشقة وملل تكون النَّفس بِهِ أنْشد وَالْقلب منشرحا بِخِلَاف مَا يتعاطاه من الْأَعْمَال الشاقة فَإِنَّهُ بصدد أَن يتْركهُ كُله أَو بعضه أَو يَفْعَله بِغَيْر الانشراح فيفوته خير كثير وَفِيه الاقتصاد فِي الْعِبَادَة وَالنَّهْي عَن التعمق فِيهَا.
١٦٢ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن سَلام قَالَ أخبرنَا أَبُو الْأَحْوَص عَن الْأَشْعَث قَالَ إِذا سمع الصَّارِخ قَامَ فصلى) هَذَا حَدِيث آخر فِي الحَدِيث السَّابِق رَوَاهُ عَن مُحَمَّد وَهُوَ ابْن سَلام وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر وَمُحَمّد بن سَلام وَكَذَا نسبه أَبُو عَليّ بن السكن قَالَ الجياني فِي نُسْخَة أبي ذَر عَن أبي أَحْمد الْحَمَوِيّ حَدثنَا مُحَمَّد بن سَالم وَقَالَ أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ مُحَمَّد ابْن سَالم وسَاق الحَدِيث حَدثنَا مُحَمَّد بن سَالم وعَلى سَالم عَلامَة الْحَمَوِيّ قَالَ وَسَأَلت عَنهُ أَبَا ذَر فَقَالَ أرَاهُ ابْن سَلام وسها فِيهِ أَبُو مُحَمَّد الْحَمَوِيّ وَلَا أعلم فِي طبقَة البُخَارِيّ مُحَمَّد بن سَالم وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن مُحَمَّد بن يحيى الْمروزِي حَدثنَا خلف بن هِشَام حَدثنَا أَبُو الْأَحْوَص عَن أَشْعَث عَن أَبِيه عَن مَسْرُوق وَالْأسود قَالَ سَأَلت عَائِشَة الحَدِيث ثمَّ قَالَ وَلم يذكر البُخَارِيّ بعد أَشْعَث فِي هَذَا أحدا وَأَبُو الْأَحْوَص اسْمه سَلام بن سليم الْكُوفِي مر فِي بَاب النَّحْر بالمصلى وَأخرجه مُسلم من طَرِيقه فَقَالَ حَدثنِي هناد بن السّري قَالَ حَدثنَا أَبُو الْأَحْوَص عَن أَشْعَث عَن أَبِيه " عَن مَسْرُوق قَالَ سَأَلت عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا عَن عمل رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقَالَت كَانَ يحب الدَّائِم قَالَ قلت أَي حِين كَانَ يُصَلِّي فَقَالَت كَانَ إِذا سمع الصَّارِخ قَامَ فصلى " وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا حَدثنَا إِبْرَاهِيم أخبرنَا أَبُو الْأَحْوَص وَحدثنَا هناد عَن أبي الْأَحْوَص وَهَذَا حَدِيث إِبْرَاهِيم عَن أَشْعَث عَن أَبِيه " عَن مَسْرُوق قَالَ سَأَلت عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا عَن صَلَاة رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَقلت لَهَا أَي حِين كَانَ يُصَلِّي قَالَت كَانَ إِذا سمع الصُّرَاخ قَامَ فصلى " قَوْله " إِذا سمع الصُّرَاخ " أَي صياح الديك وَهَذَا يدل على أَن قِيَامه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ يكون فِي الثُّلُث الْأَخير من اللَّيْل لِأَن الديك مَا يكثر الصياح إِلَّا فِي ذَلِك الْوَقْت وَإِنَّمَا اخْتَار - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هَذَا الْوَقْت لِأَنَّهُ وَقت نزُول الرَّحْمَة وَوقت السّكُون وهدو الْأَصْوَات.
١٦٣ - (حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن سعد قَالَ ذكر أبي عَن أبي سَلمَة
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56